الشنقيطي
96
أضواء البيان
فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية ، هو الحجة البالغة على خلقه ، يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق ، فهو فضل منا ورحمة . ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة ، لأنه لم يكن له ذلك ديناً علينا ولا واجباً مستحقاً يستحقه علينا ، بل إن أعطينا ذلك ففضل ، وإن لم نعطه فعدل . وحاصل هذا : أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلق ، قبل أن يخلق الخلق ، وعلم أن قوماً صائرون إلى الشقاء وقوماً صائرون إلى السعادة ، فريق في الجنة وفريق في السعير . وأقام الحجة على الجميع ، ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبساً فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك . ثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه ، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي ، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر ، وصرف قدرهم وإراداتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه ، من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء . فأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا ، طائعين مختارين ، غير مجبورين ، ولا مقهورين * ( وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ) * . * ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) * . وادعاء أن العبد مجبور لا إرادة له ضروري السقوط عند عامة العقلاء . ومن أعظم الضرويات الدالة عليه أن كل عاقل يعلم أن بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية ، كحركة المرتعش فرقاً ضرورياً ، لا ينكره عاقل . وأنك لو ضربت من يدعي أن الخلق مجبورون ، وفقأت عينه مثلاً ، وقتلت ولده واعتذرت له بالجبر ، فقلت له : أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك ، بل هو فعل الله ، وأنا لا دخل فيه فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك . بل يبالغ في إرادة الانتقام منك قائلاً : إن هذا بإرادتك ومشيئتك .